سمكة Parosphromenus deissneri، المعروفة في أوساط المربين المحترفين باسم "جورامي عرق السوس ديسنر" (Deissner's Licorice Gourami)، هي واحدة من أكثر أسماك الزينة الاستوائية ندرة، خجلاً، وحساسية على الإطلاق. تستوطن هذه الجواهر القزمة النادرة جداً مستنقعات الغابات الخثية القديمة ذات المياه السوداء الشديدة الحموضة والنقاء في جزر إندونيسيا، وتعتبر من الكائنات المهددة بالانقراض في البرية بسبب تدمير موائلها الطبيعية وتوسع مزارع زيت النخيل، مما يفرض مسؤولية بالغة على الهواة للحفاظ عليها.
1. الوصف والمظهر والجمال الفيروزي الباهر:
تتميز جورامي عرق السوس بجسم صغير نحيل ومضغوط خفيفاً ذو لون أساسي يتراوح بين البني الفاتح والكريمي، ويمتد على طول جسدها شريطان أفقيان داكنان بلون عرق السوس الأسود. يبرز السحر اللوني المبهر بشكل حصري في الذكور البالغة؛ حيث تتزين زعانفها الظهرية، الشرجية، والذيلية بنطاقات متموجة وساطعة تتناوب بين اللون الفيروزي المضيء والأزرق النيون اللامع والحواف الحمراء النارية المذهلة، مما يجعلها تبدو كجواهر متلألئة في العتمة، بينما تحتفظ الإناث بمظهر باهت تماماً بلون طيني موحد للتخفي الفطري.
2. البيئة والسلوك المفرط في الخجل والتنفس المتاهي:
تنتمي هذه السمكة لعائلة الأسماك المتاهية (Osphronemidae)، وعلى الرغم من امتلاكها لعضو المتاهة التشريحي الذي يسمح للأسماك باستنشاق الهواء الجوي من السطح، إلا أنها تعتمد بشكل شبه كامل على خياشيمها لكونها تعيش في طبقات الماء السفلية القريبة من القاع. سلوك السمكة مفرط في الخجل والانعزال، فهي تمقت الحركة والأسماك النشيطة وتقضي كامل يومها مستقرة بلا حراك داخل ملاجئها المظلمة؛ لذا يحظر تماماً وضعها في أحواض الجماعات التقليدية، بل يجب تخصيص أحواض نوعية مغلَقة ومجهزة بأوراق شجر متحللة مثل أوراق كتـابنغ (Ketapang) لتوفير الأحماض الدباغية (Tannins) التي تصبغ الماء باللون الشاي الداكن المريح لها.
3. التكاثر ومتطلبات العناية بالغة التعقيد:
تعد تربية جورامي عرق السوس تحدياً برمجياً حقيقياً مخصصاً لخبراء المحاكاة البيئية؛ حيث ترفض بشكل قاطع ومطلق تناول الأطعمة الجافة أو حتى الأطعمة المجمدة، وتعتمد كلياً على الفرائس الحية بالغة الصغر مثل يرقات الارتيميا دقيقة الحجم. تتطلب السمكة مياه فائقة النقاء وشديدة العذوبة بمستويات أملاح تقارب الصفر (pH بالغة الحموضة قد تصل لـ 3.5)، وأي إهمال في تغيير الماء أو تراكم النترات يؤدي لموتها الفوري. عملية تفريخها معقدة وتتبع سلوكاً فريداً؛ حيث يختار الذكر كهفاً صغيراً جداً ومظلماً (مثل أنابيب السيراميك المصغرة) ويبني بداخله عشا فقاعيا صغيراً، ثم يغازل الأنثى بعرض لوني مقلوب رأساً على عقب، وتقوم الأنثى بوضع البيض داخل الكهف ليتولى الذكر وحده حراسة العش بعناية فائقة حتى تخرج اليرقات الميكروسكوبية.